العلامة المجلسي

50

بحار الأنوار

ورابعها : أن معنى قوله : " إني سقيم " إني سقيم القلب أو الرأي حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام وهي لا تسمع ولا تبصر ، ويكون على هذا معنى نظره في النجوم فكرته في أنها محدثة مخلوقة مدبرة ، وتعجبه في أنه كيف ذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى عبدوها . وخامسها : أن معناه : نظر في النجوم نظر تفكر فاستدل بها كما قصه الله في سورة الأنعام على كونها محدثة غير قديمة ولا آلهة ، وأشار بقوله : " إني سقيم " إلى أنه في حال مهلة النظر ، وليس على يقين من الامر ولا شفاء من العلم ، وقد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء ذكره أبو مسلم ، ولا يخفى ضعفه . هذا ما ذكره القوم من الوجوه ، وقد عرفت مما أوردنا من الاخبار في هذا الباب وباب العصمة أن الظاهر منها أنه عليه السلام أوهمهم بالنظر في النجوم موافقتهم وقال : " إني سقيم " تورية ، وقد وردت أخبار كثيرة في تجويز الكذب والتورية عند التقية وفيها الاستدلال بهذه الآية وبيان أنها لكونها على جهة التورية والمصلحة ليست بكذب ، وما ذكر من الوجوه يصلح للتورية ; وقد مر أنه كان مراده حزن القلب بما يفعل بالحسين عليه السلام ; وقيل : يمكن أن يكون على وجه التعريض بمعنى أن كل من كتب عليه الموت فهو سقيم وإن لم يكن به سقم في الحال . الثالثة قوله عليه السلام : " هذا ربي " وفي تأويله وجوه : الأول : أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند كمال عقله في زمان مهلة النظر فإنه تعالى لما أكمل عقله وحرك دواعيه على الفكر والتأمل رأى الكوكب فأعظمه وأعجبه نوره وحسنه وبهاؤه ، وقد كان قومه يعبدون الكواكب فقال : " هذا ربي " على سبيل الفكر ، فلما غاب علم أن الأفول لا يجوز على الاله ، فاستدل بذلك على أنه محدث مخلوق ، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس ، وقال في آخر كلامه : " يا قوم إني برئ مما تشركون " وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله تعالى وعلمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه ، ويحتمل أن يكون هذا قبل البلوغ والتكليف وبعده ، والأول هو مختار الأكثر وهو أظهر ، وإلى هذا الوجه يشير بعض الأخبار السالفة ، ويمكن حملها على بعض الوجوه الآتية كما لا يخفى .